حسن فتحي طباعة أرسل لصديقك
عن القدس العربي

الذكرى العشرون لرحيل حسن فتحي

 شيخ المعماريين العرب (2ـ2)بصماته على العمارة العربية المعاصرة لا شك فيها 
  د. وليد أحمد السيد 17/10/2009



يرى فتحي أن العمارة التقليدية هي أقرب للبيئة الطبيعية أكثر منها للعمارة العالمية والتي اجتاحت العالم العربي. فالعمارة التقليدية تحترم وتراعي البيئة الطبيعية وخصوصياتها وظروفها المكانية والزمانية الاجتماعية فضلا عن معطيات الجغرافيا والواقع المحلي بما ينتج بالضرورة عمارة 'أصيلة' معبرة عن متطلبات واحتياجات واقعها الثقافي والحضاري.
في كتابه 'الطاقات الطبيعية والعمارة البيئية' يبين حسن فتحي العديد من التجارب التي أجراها على عناصر ومفردات تقليدية في البيت العربي كالملقف والدرقاعة والفناء والمشربية، حيث درس من منطلق علمي سرعة الرياح ودرجة حرارتها في مناطق مختلفة من بيوت كعينات للدراسة. وقد اجتهد في أن يظهر في أبحاثه في الكتاب مدى 'التعقيد' من ناحية حرارية وقدرات للعزل الحراري التي تبطنها أبسط البيوت التقليدية مظهرا، والتي تراعي بكفاءة عالية الطبيعة المناخية القاسية وفي نفس الوقت تحافظ على القيم الثقافية للمجتمعات المحلية وتقليل تأثيرها الضار على المحيط.
وبالنسبة لحسن فتحي يعتبر عامل المناخ محوريا في موضوع البيئة والعمارة البيئية، فيراه الدافع الرئيسي لخلق مجموعة من المفردات والعناصر التي ارتبطت بالعمارة التقليدية كالملقف وغيره. يكتب فتحي:' على مدى عدة قرون، يبدو الناس في كل مكان قادرين على اكتساب مهارة التعامل مع معطيات المناخ. فالمناخ حدد طبيعة ونمطية حياتهم وقولب عاداتهم وصنع ملابسهم، ولهذا فقد كانوا دوما قادرين على بناء بيوت (مرضية إلى حد ما) تؤمن لهم ( البيئة المناخية الخاصة ) التي يحتاجونها'. ومن هنا ينادي فتحي بفكرة ضرورة العودة للعمارة الطبيعية التي تجسد الانعكاس الصادق للمتطلبات الاجتماعية. فهو يرى أن الإنسان يقلد الأشكال الطبيعية، سواء كانت آدمية أو حيوانية، في فنه، ولكن في العمارة فالنموذج المقلد ليس هو البيئة الطبيعية ذاتها، بالرغم من أنها تمثل القواعد التي تحترم البيئة المحيطة وقواها الطبيعية بما يسمح بخلافية إنتاج الأشكال. وفي هذا الإطار يجمع فتحي بين الثالوث، الإنسان والطبيعة والعمارة، ويعتقد أنها (يمكنها- ويجب أن) تتعايش في تناغم وانسجام، حيث أن العمارة كفن جماعي واجتماعي ينبغي أن تعكس في الوقت ذاته العادات والتقاليد والتراثات 'الخاصة' على المستوى الفردي. كما يعتقد فتحي أن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة طيعة في خدمة القيم الاجتماعية وأن تتكيف طبقا للمتطلبات العامة للمجتمع.
يعتقد حسن فتحي أن العمارة 'الإسلامية' مرتبطة ارتباطا وثيقا في بنيتها التشكيلية بالحيز الفراغي نفسه وليس بمجرد التلاعب بالحوائط والجدران، وأنها تنشأ من الداخل وتنتهي بالمحيط الخارجي. ويستطيع الباحث قراءة فهم جيد في فكر فتحي للعلاقة بين التكوين الفراغي وبين التشكيل العام المعماري فيما يخص الطبيعة الوظيفية للحيز الفراغي للمبنى. فحسن فتحي يكتب: 'وظيفة الحيز الفراغي أساسية، فالتشكيل الخارجي ينبغي أن يعبّر عن القوى والعوامل الداخلية، ...، فالحيز الفراغي له قوانينه ومنطقه الخاص'. ويرى فتحي أن مد الحداثة قد اجتاح المنطقة الجغرافية في العالم العربي مقتحما حدود 'الإقليمية' ولهذا يصف فتحي الطابع المعماري في مصر بأنه لا يوجد في مصر المعاصرة طراز تقليدي أصيل، فبيوت الفقراء والأغنياء متشابهة وبدون طابع. ويصف بيوت التخطيط العمراني السائد في قرى مصر بأنها تتميز عن نظيرتها الأوروبية، فالقرى الريفية المصرية تنكفئ على نفسها للداخل، بينما تفتح الأوروبية على الحقول للخارج والمنظر الطبيعي، ويبرر فتحي ذلك لطبيعة الريف الجافة والعدائية ولاعتبارات أمنية ودواعي السلامة.
ويمثل بيت 'كلليني' الذي صممه حسن فتحي في ريف مصر نموذجا لاستعماله لمجموعة مبتكرة من المفردات الفراغية التي تكررت فيما بعد في 'عمارة حسن فتحي' الخاصة والمتميزة والتي تسمها قباب وقبوات وعناصر تشكيلية وفراغية أخرى. ويرى 'جيمس ستيل' في كتابه (Haan Fathy) أن هذا البيت هو نمطية نموذجية لعمارة حسن حيث يحوي معظم العناصر التي تكررت في عمارته لاحقا. وهذه العناصر التي بعضها ذات طابع شكلي بصري قوي من الخارج مثل القبة والشخشيخة الخشبية لها ارتباطات فراغية مهمة بالتشكيل الفراغي للبيت في عمارة حسن فتحي بحيث أضحت لها دلالات قوية على طبيعة وأهمية الفراغ الذي تعلوه بمجرد مطالعتها من الخارج. ويجسد هذا البيت أيضا محاولة حسن فتحي الأولى لمزاوجة الطوب الطيني بالحجر الصلب لمحاولة تشكيل فراغي مبتكر في عمارة حسن فتحي والتي أطلق عليها فكرة 'أطروحة الحيز الفراغي' أو (thesis of space) والتي وبمرسومها يقصد فتحي خلق نظام جديد للبناء استنادا إلى الطريقة التقليدية التي لم تكن تعتمد 'الدعامات' أثناء البناء بل تعتمد على التحميل الطبيعي للعناصر الإنشائية بحيث يتم بناء القباب والقبوات بدون الاعتماد على خشب 'الطوبار' أو (scaffolding). وهي طريقة تبناها فيما بعد تلميذه عبد الواحد الوكيل في المساجد التي بناها في المملكة العربية السعودية وتتقنها مجموعة قليلة من الحرفيين ومعلمي البناء ـ وفاز في الثمانينيات بجائزة الآغا خان عن فيلا حلاوة بالعجمي مناصفة مع معلم البناء. وهذه الطريقة التي طوّرها حسن فتحي في عمارته لاحقا تعتمد اعتمادا كبيرا على مجموعة من الجدران الحاملة إنشائيا والتي يتم بناؤها بتنسيق تمهيدا لبناء القبوات والقباب. ونظرا لاعتماد فتحي الأساسي على النواحي الإنشائية لإنشاء المباني بهذه الطريقة، فقد 'فرض' أسلوبه هذا نمطا 'فراغيا' محددا بأبعاد وقياسات ترتبط ارتباطا وثيقا بمحددات إنشائية. وتبعا لذلك طور نوعا من الموديول (3.6 م) ومشتقاته كي يراعي الاعتبارات الإنشائية لعمارته، وهو ما أثبتته طريقة 'التجربة ـ والخطأ' في محاولاته لإنشاء أول قبوة في مشروع عزبة 'بهتيم' وكما يروي في مذكراته في 'العمارة للفقراء'. ويدعو فتحي المعماريين العرب للنظر مليا في التراث حيث يمكنهم المساهمة في تطوير مجتمعاتهم وبعث القيم الأصيلة بها. فهو يشعر أن العديد من المعماريين يعتقدون أن مجتمعات الفلاحين والقرى ليس بها أي شيء يدعو للنظر والاعتبار، ولهذا فهو يعرّف نوعين من العمارة: الأول هو العمارة التقليدية أو (Folk architecture) والثانية هي عمارة المعماري أو (Architects architecture). وفي الحقيقة فإن فتحي يشعر بأن العلاقة بين المعماري والبناء وصاحب العمل أو 'الزبون' أو 'القاطن' يجب أن يعاد إرساء دعائمها من جديد. ولهذا فهو يعتقد أنه بإعادة ترسيم العلاقة بين هؤلاء من جديد يمكن تحقيق فائدة قصوى باستخدام طرق البناء التقليدية، وهذا يعني 'إعفاء' المعماري في وقتنا المعاصر من مجموعة من المهام التي تسلّمها من 'البنّاء' التقليدي دون داع. وهذا يظهر الأهمية التي يوليها فتحي في فلسفة فكره النظري لدور المعماري في مقابل عملية البناء التقليدية. فعلى سبيل المثال يقترح فتحي أن مسؤولية المعماري هي في إعادة ثقة الفلاحين بثقافتهم وحضارتهم المحلية وذلك حين يستخدم المعماري الأشكال والطرز الموروثة في تصاميمه مما يجعل الفلاحين ينظرون لما بين أيديهم وما يسود بيئتهم العمرانية الطبيعية التقليدية التي توارثوها بنوع أكبر من الاحترام نظرا للدعم المعنوي الذي يمنحه استعمال المعماري لها، وبذلك يحفّز حرفيي القرية على استخدام وتطوير الأشكال والأنماط المحلية لأنه رآها ببساطة موضع احترام من المعماري. ومن جهة ثانية نراه يعمد للتركيز على البناء والحرفي لتمكينهم من إحياء الطرق التقليدية للبناء في تصاميم جديدة. ولذلك يحاول تطوير 'وحدة قياسية' أو (standard unit) وهي 'الغرفة' والتي يثق بقدرة البناء على تزويدها بالقيمة النوعية والحجم المناسب لتنافس التكنولوجيا الحديثة وكذلك لتفعيل دور الأنماط الناتجة المطورة. وعلى مستوى ثالث يخاطب صاحب العمل كمنتفع ومستفيد من عملية البناء برمتها، فهو يعتبرها خاضعة للتغيير والتطوير لتحقيق مصلحة ومنفعة صاحب العمل، المستفيد من المشروع أو من سيقطنه. ومن هنا يكتب عن تجربته في قرية القرنة:' من البداية حتى اللحظة الأخيرة كنت دائم التعلم، أغير وأبدل وأطور تصاميمي المعمارية لجعلها أكثر ملاءمة للعائلات التي ستقطنها. بالنسبة لحسن فتحي كانت جماليات العمارة والمبنى تتجسد في احتياجات المجتمع اليومية، والمواد المستعملة والبيئة المحيطة. ويعتقد أنه بعد بضعة أجيال من العلاقة اللصيقة الفاعلة بين المجتمع والعمارة فإن المباني سيتم تطويعها قلبا وقالبا لشكل المجتمعات التي بنيت بها بما يناسب طبائعها وعاداتها وسلوكياتها وأمزجة وطباع أفرادها. كما أن فتحي يرى أنه بتتبع التاريخ الثقافي والحضاري للمجتمع وبالكلام والحوار مع مسنيها وكبارها من الأجيال السابقة وتتبع العادات والتقاليد الموروثة، وملاحظة الحياة اليومية للمجتمع يمكن تحقيق العمارة الأقرب لحاجاته وتطورات العصر.
من المراجعة السابقة للعديد من الأفكار التي وردت في كتابات حسن فتحي والتي تجسد الكثير من فلسفته الخاصة تجاه التراث ونظرته للعمارة العربية المعاصرة، يمكن تلخيص مجموعة من النقاط المحورية ومناقشتها في هذه المساحة. وهذه جملة من الملاحظات:
أولا ـ تعكس رؤية حسن فتحي للتراث وواقع العمارة العربية في محيطها بتلك الفترة الزمنية في فترة الستينيات والسبعينيات إدراكا عميقا لحقبة مهمة يمكن أن نطلق عليها "عصر التنوير والنهضة المعمارية العربية" لأهميتها في بعث حركة جماعية ونظريات ومفاهيم تناولتها مجموعة من المفكرين والكتاب العرب في الداخل وفي المهجر، نقلت مستوى الخطاب المعماري العربي المعاصر نقلات نوعية بالتضافر مع موجة أكاديمية وفكرية قادتها الندوات المتخصصة في الجامعات ومعاهد الفكر قادت لتخريج دفعات من جيل الشباب المعماريين العرب وتمخضت عنها "ولادة" عسيرة لما نعرفه اليوم بالعمارة العربية المعاصرة ـ على مستوى الفكر التنظيري الذي يعالج أطروحات التراث والحداثة، والأصالة والمعاصرة، أو على مستوى التطبيق والممارسة العملية سواء بسواء. ورؤية حسن فتحي التراثية يمكن النظر إليها على أنها "عودة دفاعية" للتراث في مواجهة مد الحداثة الغامر في تلك الحقبة المهمة. فعودة فتحي لدراسة وإحياء أساليب البناء القديمة التي سادت قرى وريف مصر كانت ضمن رؤيته الخاصة لأهمية التراث المعماري لا كأشكال معمارية فقط، ولكن ضمن نظرة منهجية تعالج "الأسس" وتؤطر التراث بأطر اجتماعية تعني بعث قيم المجتمع الريفي "البكر" الأصيلة في مواجهة "تمازجات" المدينة والمدنية الحديثة وتداعيات التغريب الثقافي مع الآخر. كما أن محاولات فتحي لبعث العلاقة الجدلية والمهمة بين الثالوث (الحرفي ـ والمعماري ـ والمنتفع أو القاطن أو صاحب العمل) هي من صميم إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية والمهنية والحوارية بين العناصر الثلاثة المهمة في عملية البناء والعمارة والتي تكاد تغيب عن ساحة التطبيق العملي في العمارة العربية المعاصرة ـ فضلا عن غيابها عن الفكر النظري والتنظيري.
ثانيا ـ يعتمد حسن فتحي في فلسفته المنهجية على دراسة التاريخ والاستفادة من الموروث القديم لتطويع الأسس والخبرات المتناقلة عبر الأجيال، مع عدم إغفال الحاضر ومتطلباته، وهي منهجية منطقية ومقبولة وشرعية. وبالرغم من ذلك قد يبرز تساؤل عن استعارة الأشكال والمتحورة حول نمطية ترتبط غالبا بالتشكيل أكثر من مراعاتها لتغيرات الظرف والمرحلة من ناحية، ومن ناحية أخرى تعلو بعض الأصوات المتشككة في نجاعة هذه المنهجية ومتعلقاتها في توفير متطلبات البيئة الحضرية المعاصرة والحديثة والتي تتسارع وتيرتها مع عوامل تكنولوجية وتقنية وزيادات مطردة ديموغرافية تتصارع على موارد المدينة الحضرية، مما يقتضي أكثر من مجرد تقديم نمطي لعملية بناء بسيطة سادت في مرحلة زمنية وبيئة بسيطة لفلاحي الريف بمصر!
وفي الحقيقة قد تعلو أصوات أخرى متشككة بمنهجية حسن فتحي أساسا وبخاصة في المراوحة بين الأفكار النظرية المتعلقة تارة بالتراث وتارة أخرى بمفاهيم البيئة ومتعلقات المناخ بما يوحي بأنه كان يؤسس ويؤطر من خلال الفكر النظري لمتعلقات "عمارة تشكيلية" تعتمد على طريقة بناء تقليدية مما أنتج مجموعة من المفردات التي لم يضف لها شيئا يراعي عامل الوقت والمرحلة بل نقلها كما هي وقام بإعادة استخدامها وإعادة تشكيلها في مشاريعه المختلفة. وبذا فهذه المنهجية التي تعتمد على إعادة صياغة الأشكال تطرح أسئلة متشككة في عمق الطرح المتعلق بإشكالية أبدية أزلية في العمارة كمفهوم فلسفي مجرد وهي إشكالية العلاقة الجدلية بين الشكل والوظيفة. فعمارة حسن فتحي تبدو وكأنها "تجميع لمفردات مسبقة الشكل والأبعاد والموديول والطراز بحيث تنطلق من الجزء باتجاه الكل" أو كما وصفتها في أطروحة الدكتوراه بأنها (boom - up) وهي على النقيض من منهجية راسم بدران مثلا والذي يعتمد نهجا مغايرا في مشاريعه من الكل باتجاه الجزء أو (top-down).
ثالثا ـ تلاحظ نزعة "الفردية" في مدرسة ومنهجية حسن فتحي، بالرغم من طول سنوات الممارسة وهي حقيقة مدهشة! فعلى امتداد عشرات السنين لم يفلح حسن فتحي في حياته أو بعد رحيله من تحويل فكره النظري ومنهجيته الفكرية إلى "مدرسة جماعية" يتخرج منها رواد معماريون فكرا وتطبيقا. فباستثناء حالة الوكيل التي تكاد تكون الوحيدة وكنسخة مطابقة تقريبا في استعمال الأشكال بحذافيرها سواء من الريف المصري أو من نماذج بالقاهرة المملوكية ونسخها ولصقها في أماكن مختلفة من الخليج العربي، تظهر المراجعة الفكرية للساحة المعمارية خلوها من "أنصار فكر حسن فتحي" على المستوى التطبيقي بخاصة. فصراع حسن فتحي الذي يذكره في مذكراته على مدى سنوات طويلة لم يكد يتمخض سوى عن "تقدير شخصي" بدأ بتقدير عالمي من مؤسسات ذات مرجعية معمارية قادت لتقديره على المستوى العربي والمحلي لاحقا.
رابعا ـ بالرغم من المدخل الاجتماعي الذي تبناه حسن فتحي في فكره النظري من أجل إعادة بعث القيم الأصيلة للتراث كعملية حركية متجددة تعني المشاركة الفاعلة من قبل المجتمع المحلي وتوظيف الكثير من القيم والمعاني اللصيقة بالثقافة المحلية والحضارة، إلا أن السؤال الكبير الذي يطرح عمليا هو: بالنظر إلى الإخفاقات المتكررة التي يرويها حسن فتحي في مذكراته هو نفسه في عدم قدرته على تسويق أفكاره النظرية، فضلا عن تطبيقاته العملية في مشاريعه المختلفة وأبرزها قرية القرنة الجديدة، فكيف يمكن النظر لمنهجيته بأنها مرتبطة نظريا وتطبيقيا بمفاهيم توظف لخدمة المجتمع وتكرس المساهمة المجتمعية في إعادة بعث التراث بقيمه ومفاهيمه على مستوى الأسس لا كمفردات شكلية أو تشكيلية سطحية؟ وبكلمات أخرى، كيف يمكن النظر لمنهجية حسن فتحي والحكم على نجاحها في المزج بين الفكر النظري والمشاركة الفاعلة للمجتمع المحلي في واقع أنها كانت مفاهيم نظرية وبقيت كذلك بعد رحيله بأكثر من عشرين عاما اليوم؟
خامسا ـ يلاحظ من كتابات حسن فتحي وفكره النظري والتطبيقي نزوعه لتفعيل مجموعة من القواعد والمنهجيات التي تكرست في عمارته وفكره سواء بسواء؛ فمثلا يعمد لتأصيل العمارة بمفهومها المجرد وربطها بأسس ومضامين "إنسانية" قبل أن تأخذ طابعا هوياتيا أيديولوجيا أو قوميا أو إقليميا أو محليا. كذلك يعمد للإشادة بمنهجية عامة "عالمية" وليست محدودة بأطر محلية في تناول العمارة بما يعني تفعيل مختلف العوامل التي تؤثر في صوغ النواتج المعمارية وعدم حصرها في قيم ومحددات وعوامل "جزئية". كما يشيد بضرورة التعامل مع التكنولوجيا "الملائمة" بما يحفظ التطور، وضرورة عدم إهمال العامل الاجتماعي، فضلا عن أهمية دور التراث، وضرورة إعادة تكريس الهوية الوطنية والمحلية من خلال العمارة وطرق البناء.
ويلاحظ المتأمل في فكر حسن فتحي مجموعة من الروابط بين العمارة والمجتمع والتي يوظفها لتكريس هذه العلاقة ومنها: أولا ـ مفهوم الخصوصية والفصل بين الرجال والنساء وعزل بعض الأحيزة الفراغية بالبيت والمباني عموما تبعا لخصوصية الثقافة والعادات والتقاليد وتعاليم الدين. وتكتسب هذه "الانعزالية" طابعا خاصا جدا في المباني السكنية. العامل الثاني ـ يلاحظ أن فتحي درس بعناية العمارة العربية والمحلية بالقاهرة لتحليل خصائص الأبنية التقليدية واستخلاص مجموعة من العناصر كالفناء وغيره والتي استعملت "بنمطية" ذات طابع بيئي وتقليدي مرتبط بقيم اجتماعية وبالتراث كعنصر فلسفي مجرد أو بالأحرى "كأيديولوجية" فكرية ومدرسة مستقلة في مواجهة مد الحداثة أو "العالمية". فالفناء وما يحيط به من إيوانات وعناصر فراغية أخرى كالدرقاعة أصبحت من المكونات الأساسية في "عمارة حسن فتحي" لاحقا. العامل الثالث يمثل تأصيل العلاقة بين البيئة التي خلقها الله في مقابل البيئة المبنية بيد الإنسان، وتجسد فكر حسن فتحي في محتوى ومضمون العمارة البيئية بضرورة الانسجام التام بين هاتين البيئتين. وتظهر العلاقة بين العمارة والمجتمع بجلاء في فكر فتحي من خلال تأكيده على دور التراث في تلبية احتياجات المجتمع المحلي. فحسن فتحي يعتقد أن التراث هو انعكاس طبيعي لمتطلبات المجتمع، ويستعين بأمثلة للدلالة على ضرورة "تطويع" التراث لهذه الغاية حيث أن التراثات القائمة إنما تطورت عبر أجيال بما توافق عليه المجتمع واستحسنه، وفوق ذلك كله ما خدم مصالح فئاته الشعبية وساهم بتطوره. ولذلك يرى فتحي أنه قبل استئصال عنصر ما من عناصر التراث الضارب بالقدم ينبغي النظر في استحداث بدائل تقوم بالغاية نفسها على الأقل أو تراعي متطلبات العصر وتحقق في الوقت ذاته نفس المصلحة التي كان يقوم بها التراث "المستبدَل".
وبالرغم من الملاحظات النقدية والمراجعات والمساجلات التي تعرض لها حسن فتحي في حياته أو بعد رحيله، إلا أن بصماته الفكرية الواضحة على العمارة العربية المعاصرة ليست موضع شك مطلقا بما أسس له من معالم واضحة على طريق تفعيل دور التراث المعماري بالمجتمع وضرورة تبنيه كمنهج لإعادة إحياء قيم أصيلة تكاد تندثر في خضم موجات الحداثة والعولمة التي باتت تغزو أخص المجتمعات التقليدية.
معماري وباحث يقيم في لندن
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق

busy
 

استطلاع رأي

ما رأيك بقانون الإستملاك؟
 

وقع معنا

أخبار

Copyright © 2008 Apolodor. All rights reserved, This Site was created by: Eng.Nawras Ghusini   | للأعلى